محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الكافر عند الموت من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين قال : فأعرض فأعرض إبراهيم ثم التفت ، فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا ، في ثياب بيض ، فقال : يا ملك الموت لو لم يكن للمؤمن عند ربه من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه . فانطلق ملك الموت ، وقام إبراهيم يدعو ربه يقول : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى حتى أعلم أني خليلك قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ بأني خليلك ، يقول تصدق ، قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بخلولتك . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال : بالخلة . وقال آخرون : قال ذلك لربه لأَنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب في قوله : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال : قال ابن عباس : ما في القرآن آية أرجى عندي منها . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، قال : سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل ، عن سعيد بن المسيب ، قال : اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا ، قال : ونحن يومئذ شببة ، فقال أحدهما لصاحبه : أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأَمة ؟ فقال عبد الله بن عمرو يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ حتى ختم الآية ، فقال ابن عباس : أما إن كنت تقول إنها ، وإن أرجى منها لهذه الأَمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء بن أبي رباح ، عن قوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ، فقال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى . . . قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ليريه . حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري ، قال : ثنا سعيد بن تليد ، قال : ثنا عبد الرحمن بن القاسم ، قال : ثني بكر بن مضر ، عن عمرو بن الحارث ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ، قال : رب أرني كيف تحي الموتى ، قال أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكر نحوه . وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية ، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ، وهو قوله : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ، قال رب أرني كيف تحي الموتى ، قال أو لم تؤمن " وإن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه ، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفا من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء ، ألقى الشيطان في نفسه فقال : متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليعاين ذلك عيانا ، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي فيه عند رويته ما رأى من ذلك ، فقال له ربه : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ يقول : أو لم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر ؟ قال : بلى يا رب ، لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي ، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت . حدثني بذلك يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، عن ابن زيد . ومعنى قوله : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه . وهذا التأويل الذي قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجهوا معنى قوله : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي إلى أنه ليزداد إيمانا ، أو إلى أنه